عبد الملك الجويني
218
نهاية المطلب في دراية المذهب
والسجود ، ونصرف شيئاً إلى الركوع والزيادةَ عليه إلى السجود ، فإنا لو فعلنا هذا ، كنا مسقطين عنه أقلَّ الركوع مع قدرته عليه ، ولكن يأتي بالركوع عما عليه من وظيفة الركوع ، ثم ينحني مرةً أخرى عن السجود ، ولا يضر استواؤهما ، كما يستوي فرضُ القيام في حق القاعد ، وفرضُ القعود للتشهد الأخير ، ولا يجوز غيرُ هذا ، ولو كان يقدر على انثناءٍ يزيد على مقدار الأقل ، وكان يزيد على مقدار الكمال أيضاً ، فالوجه أن يأتي بما هو على حد الركوع ، ثم يأتي بالزيادة على حد الكمال عن السجود ؛ فإن الفرق على حسب الإمكان بين الركوع والسجود واجب ، وذلك ممكن في الصورة التي ذكرناها ، ولا يجب الفرق بين القعود الواقع بدلاً عن القيام ، وبين قعود التشهد ، وهذا ظاهر ، وليس عرياً عن الاحتمال ، فَلْيتأمله الناظر . ولو كان يقدر على أقل حد الركوع ، وعلى ما ينتهي إلى حد الكمال ، فليس يظهر عندي تكليفه الاقتصار على حد الأقل ، ليكون الزائد عليه عن السجود ، وليترتب عليه تحصيلُ الفرق بين السجود والركوع - ظهورَه ( 1 ) في الصورة التي قبل ذلك ؛ فإن تلك مفروضة في زيادةٍ مجاوزةٍ حدَّ الراكعين ، وهاهنا الكلُّ واقع في حد الركوع ، ومنعُه من الركوع التام حالةَ الركوع بعيد . 939 - ولو كان يصلي مضطجعاً ، أو على قفاه ، كما ذكرناه ، وكان لا يقدر على الركوع والسجود أصلاً ، فقد قال الأئمة : يلزمه أن يومىء بطرفه إلى الركوع والسجود ، والذي ذكروه معتضده الحديث الذي رويناه عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه نص على الأمر بالإيماء ، فليعتقد الفقيه أن الإيماء بالطرف حتمٌ . 940 - فإن لم يبق في أجفانه حراك ، لزمه أن يُجريَ صورةَ الركوع والسجود على قلبه ، وذلك أيضاً حتمٌ عند الأئمة ، وذلك بأن يمثِّل نفسَه راكعاً وساجداً ، ثم يجريهما على الذكر تامَّيْن ؛ فإنه لا يعجز عن ذلك فكراً إن عجز فعلاً . 941 - ثم إن لم يكن لسانه معتقلاً ، أتى بالقراءة وبالأركان ، وإن اعتُقل لسانُه ،
--> ( 1 ) " ظهورَه " متصل بقوله : " فليس يظهر " ، فهو مفعولٌ مطلق .